أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
360
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : عَنِ الْقَرْيَةِ . لا بدّ من مضاف محذوف ، أي : عن خبر القرية ، وهذا المضاف هو الناصب لهذا الظرف ، وهو قوله : « إِذْ يَعْدُونَ » . وقيل : بل هو منصوب ب « حاضِرَةَ » ، قال أبو البقاء : « وجوّز ذلك أنها كانت موجودة ذلك الوقت ثم خربت » . وقدر الزمخشري المضاف « أهل » ، أي : عن أهل القرية ، وجعل الظرف بدلا من « أهل » المحذوف ، فإنه قال : « إِذْ يَعْدُونَ » بدل من « الْقَرْيَةِ » ، والمراد بالقرية : أهلها ، كأنه قيل : واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت ، وهو من بدل الاشتمال . قال الشيخ « 2 » : « وهذا لا يجوز ، لأن « إِذْ » من الظروف التي لا تتصرف ، ولا يدخل عليها حرف جر ، وجعلها بدلا يجوز دخول « عن » عليها ، لأن البدل هو على نية تكرار العامل ، ولو أدخلت « عن » عليها لم يجر ، وإنما يتصرف فيها بأن تضيف إليها بعض الظروف الزمانية ، نحو : يوم إذ كان كذا » وأما قول من ذهب إلى أنها تكون مفعولة ب « اذكر » فقول من عجز عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفا . وقال الحوفيّ : « إِذْ » متعلقة ب « سلهم » . قال الشيخ « 1 » : « وهذا لا يتصور ، لأن « إِذْ » لما مضى ، و « سلهم » مستقبل ، ولو كان ظرفا مستقبلا لم يصح المعنى ، لأن العادين - وهم أهل القرية - مفقودون ، فلا يمكن سؤالهم ، والمسؤول غير أهل القرية العادين » . وقرأ شهر بن حوشب وأبو نهيك « يعدّون » بفتح العين ، وتشديد الدال ، وهذه تشبه قراءة نافع في قوله : « لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ » ، والأصل : تعتدوا ، فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها . وقرىء : « يعدّون » بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال من : أعدّ يعدّ إعدادا : إذا هيّأ آلاته . وفي التفسير أنهم كانوا مأمورين في السّبت بالعبادة فيتركونها ويهيئون آلات الصيد . قوله : « إِذْ تَأْتِيهِمْ » العامل فيه « يَعْدُونَ » ، أي : إذا عدوا إذ أتتهم ، لأن الظرف الماضي يصرف المضارع إلى المضي . وقال الزمخشري : « وإذ تأتيهم » بدل من « إِذْ يَعْدُونَ » بدلا بعد بدل » . يعني أنه بدل ثان من « الْقَرْيَةِ » على ما تقرر عنه ، وقد تقدم رد الشيخ عليه هناك ، وهو عائد هنا . و « حيتان » جمع « حوت » ، وإنما أبدلت الواو ياء ، لسكونها وانكسار ما قبلها ، ومثله نون ونينان ، والنّون : الحوت . قوله : « شُرَّعاً » حال من « حِيتانُهُمْ » ، وشرّع : جمع شارع . وقرأ عمر بن عبد العزيز « يوم إسباتهم » ، وهو مصدر « أسبت » إذا دخل في السّبت . وقرأ عاصم بخلاف عنه وعيسى بن عمر « لا يسبتون » بضم الباء . وقرأ علي والحسن وعاصم بخلاف عنه « يسبتون » بضم الياء وكسر الباء ، من أسبت ، أي : دخل قي السّبت . وقرىء « يسبتون » بضم الياء وفتح الباء مبنيا للمفعول ، نقلها الزمخشري ، عن الحسن ، قال : « أي لا يدار عليهم السّبت ، ولا يؤمرون بأن يسبتوا » . والعامل في : « يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ » قوله : « لا تَأْتِيهِمْ » ، أي : لا تأتيهم يوم لا يسبتون ، وهذا يدل على جواز تقديم معمول المنفي ب « لا » عليها ، وقد قدمت فيه ثلاثة مذاهب ، الجواز مطلقا ، كهذه الآية ، المنع مطلقا ، التفصيل بين أن يكون جواب قسم فيمتنع ، أولا فيجوز . قوله : كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ ذكر الزجاج وابن الأنباري في هذه الكاف ومجرورها وجهين : أحدهما : قال الزجاج : « أي : مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم » ، فموضع الكاف نصب ب « نَبْلُوهُمْ » . قال ابن الأنباري : « ذلك » إشارة إلى ما بعده ، يريد : « نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ » ، كذلك البلاء الذي وقع بهم في أمر
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 409 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 410 ) .